ساسي سالم الحاج

53

نقد الخطاب الاستشراقي

تاريخ السيرة . ثم تعرض بعد ذلك للحديث الذي عالجه بعمق واستفاضة من جميع جوانبه ، وذلك طبقا لما أوردناه في الجزء الأول من كتابنا ، واستخلص منه هو الآخر معالم السيرة النبوية . ثم درس في الفصل الأول منه حالة الجزيرة العربية قبل الإسلام باعتبارها أمرا ضروريا لمعرفتها نظرا لأن قيام الإسلام قد تأثر بالعديد من الظروف والملابسات المتعلقة بتاريخها وأحوالها الجغرافية ، والاقتصادية ، والسياسية ، والجويّة . ورأى هذا المستشرق أنه من الضروري معرفة المواد التي وجدها « محمد » في الجزيرة العربية خاصة في مكة والتي استخدمها مؤخرا في تطوير ديانته . وتساءل بذلك عن دور إبراهيم الذي يعتقد الرسول أنه كان أبا للعرب وللإسرائيليين على حدّ سواء ، وعن دور معتقداته التي ربما بنى عليها الرسول توحيده وعقائده . وذكر أن هذه الاعتبارات تقودنا حتما إلى البحث عن السكان الأوائل الذين عمّروا هذه الجزيرة حتى نستخلص تأثيرهم في الديانة الإسلامية « 1 » . استند « موير » في دراسة الأقوام الأولى التي عمرت الجزيرة العربية إلى الروايات الإسلامية ، وكيف ربطت هذه الروايات بين ملوك حمير وقريش . ولكن هذه الروايات لا تؤرخ لهذه الأقوام إلّا للقرون الثلاثة السابقة على ولادة الرسول ، ثم تسكت عما وراء ذلك . لا يعوّل « موير » على صحة هذه المصادر الإسلامية ويراها غير صحيحة ولا أصيلة حول هذا الموضوع . ويطرح جانبا تلك النظرية التي تؤصل البشرية إلى أبناء نوح الثلاثة « حام وسام ويافث » وكيف أن سام بن نوح هو جد « العرب واليهود » ويراها عبارة عن أساطير مختلطة يجب أن تطرح جانبا لأنها مستقاة من مصادر يهودية ولا تستند إلى أصول أنثروبولوجية . ومع ذلك فهو يتعرض لقصة « إبراهيم » مع « هاجر » واصطحابها إلى مكة ، وولادة إسماعيل الذي يعتبر أبا للعرب جميعا كما كان إبراهيم أبا للإسرائيليين فيكون العرب واليهود أبناء عمومة . ويرى « موير » أن هذا الرأي مجرد أسطورة لا أساس علميّا يعضدها وإن كانت اللغة والعادات والتطبيقات الدقيقة تؤيده ، خاصة أن اللغتين العربية والعبرية تعودان إلى أرومة واحدة « 2 » . وبعد استعراض تفصيلي للقبائل العربية والإسرائيلية ، وإجراء دراسة مقابلة بينهما

--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . cvi . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . cxvi .